الشهيد الثاني

842

رسائل الشهيد الثاني ( ط . ج )

وجهةٍ دون جهةٍ ؛ إذ لا يجب على المجتهد البحثُ على دفع الاحتمال في أقطار الأرض ، خصوصاً في زمان المتقدّمين ؛ فإنّ رُواة الأخبار كانوا منتشرين في الأرض ، والحال أنّ ذلك لا يتّفق على الظاهر في زماننا ؛ لأنّه لم يصل إلينا من طُرُق الأحكام إلا ما تعاوَروه « 1 » بينهم ، بل الأخبارُ اليوم كلَّها التي يعتمد عليها محصورة في أقلّ من عشرة غالباً ، كما هو واضح . لا يقال : يلزم من ذلك إمكان اجتماع الفرقة كلَّها على الخطأ ؛ لأنّ الشبهة المذكورة كما تصحّ على جماعةٍ تصحّ على الجميع ، فلا يتمّ استدلالكم بالإجماع . لأنّا نُجيب بمنع فرضه أوّلاً ؛ فإنّ مَنْ في أيديهم الخبر المتواتر لا يتمسّكون بغيره . ولو أمكن انقراضهم وتحقّق الفرض أمكن أن يقال : الاعتبار في الإجماع إنّما هو بقوله ، فكلّ فرقةٍ لم يكن فيها قَلَّت أو كَثُرتْ لا عِبْرةَ بقولها . والجواب على قول الأصحاب ظاهر ؛ لمنعِ خروجه مع إجماعهم ، كما مضى تقريره . لا يقال : لا معنى لقولهم حينئذٍ : « إنّ الإجماع حجّة » ؛ فإنّ موافقة الرعيّة لم نَرَ لها مدخلاً فيه ، لا على وجه الشرطيّة ولا على وجه الشطريّة ، فالأولى عدم تعرّضكم لبحث الإجماع وأحكامِه . لأنّا نقول : ذلك لا يمنع من قولنا : « إنّه حجّة » ؛ فإنّ التغاير بين إجماعنا وإجماعِ مخالفينا إنّما هو باختلاف الحيثيّة لا الحجّيّة ، فهو عندنا حجّة من حيث دخول المعصوم فيهم ، وعند مخالفينا من حيث الدلائل التي زعموا أنّها دالَّة

--> « 1 » « تعاوروا الشيءَ : تداولوه فيما بينهم » ( « المعجم الوسيط » ص 636 ، « عور » ) .